عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

543

اللباب في علوم الكتاب

ذكرها عند الدّعاء متكلين على فضله وإحسانه بمنزلة الطّفل ، لا تتمّ مصلحته إلّا بتدبير قيمه ، والعبد الّذي ينتظم شمل مهمّاته إلا بإصلاح مولاه ، وهو المولى في الحقيقة للكلّ على ما قال نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ الأنفال : 40 ] ونظير هذه الآية الكريمة اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ [ البقرة : 257 ] أي : ناصرهم ، وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [ التحريم : 4 ] أي : ناصره ، وقوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمد : 11 ] . قوله تعالى : « فَانْصُرْنا » أتى بالفاء هنا ؛ إعلاما بالسببية ؛ لأنّ اللّه تعالى لمّا كان مولاهم ومالك أمورهم ، وهو مدبّرهم تسبّب عنه أن دعوه أن ينصرهم على أعدائهم ؛ كقولك : « أنت الجواد فتكرّم » ، و « أنت المعطي فرجا فضلا منك » . قوله : « عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » أي : انصرنا في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجّة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ التوبة : 33 ] . فصل روى الواحدي « 1 » رحمه اللّه عن مقاتل بن سليمان ؛ أنه لما أسري بالنّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - أعطي خواتيم سورة البقرة ، فقالت الملائكة : إنّ اللّه - تعالى - قد أكرمك بحسن الثّناء عليك بقوله - تعالى - : « آمَنَ الرَّسُولُ » فسله وارغب إليه ، فعلّمه - جبريل - عليه الصلاة والسلام - كيف يدعو ، فقال محمّد - عليه الصّلاة والسّلام - « غُفْرانَكَ رَبَّنا » وقال اللّه : قد غفرت لكم ، فقال : « لا تُؤاخِذْنا » فقال اللّه : لا أؤاخذكم ، فقال : « وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً » فقال : لا أشدّد عليكم ، فقال محمّد : « لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » فقال : لا أحملكم ذلك ، فقال محمد : « وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا » فقال اللّه : قد عفوت عنكم ، وغفرت لكم ، ورحمتكم ، وأنصركم على القوم الكافرين « 2 » . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، وسمعناه في بعض الرّوايات ؛ أن محمدا - عليه الصّلاة والسّلام - كان يذكر هذه الدّعوات والملائكة كانوا يقولون : آمين « 3 » . وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه « 4 » . وعن النّعمان بن بشير ؛ أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 131 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 142 ) عن ابن عباس . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 5 / 198 ) كتاب المغازي باب 12 رقم ( 4008 ) ، ( 6 / 333 ) كتاب فضائل القرآن باب من لم ير بأسا أن يقول سورة . . . الخ ، رقم ( 5040 ) ومسلم صلاة المسافرين 255 وابن ماجة ( 1368 ) والطبراني ( 17 / 203 ) والبغوي في « تفسيره » ( 1 / 316 ) وفي « شرح السنة » ( 4 / 464 ) .